محمد محمد أبو ليلة
105
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
اليهود ، وكذلك النصارى كانت قلقة مضطربة ، وكانوا مطاردين ، ولم يتأت لهم استقرار ، ولم تنشأ لهم دولة ؛ بل لقد كانوا يعيشون مستعمرين محاصرين ، فلم يكن من المناسب أن تنزل عليهم الكتب منجمة ، بخلاف القرآن ، وبخلاف الأمة الإسلامية التي تم لها الاستقرار ونشأت لها دولة . ونعود إلى ما زعمه ويلش فنتساءل كذلك كيف كان يكتب محمد ما يملى عليه ، والتاريخ والقرآن والسنة كلها تسجل أنه كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة ؛ ولم تكن هناك في مكة مدرسة ، ولا جامعة ، ولا حلقة ، ولا إرسالية يتعلم فيها محمد ؛ ولو وجد شئ من ذلك في مكة لزاحمه عليه أولاد الأغنياء والوجهاء من أهل مكة ، الذين كانوا يسيطرون على كل شئ فيها ؛ فقد صحت لهم المنافسة في قرض الشعر ، والتّباري في ارتجال الخطب ، وعلى الزعامة ، والرئاسة ، وغير ذلك مما كان يعنيهم ويشغل بالهم ؛ ثم إنه إذا كان هناك في مكة من يعلّم الناس تعليما خاصا يؤجر عليه ، لعزّ ذلك على محمد ليتمه وفقره . ألم ترفضه مرضعات البوادي لهذا السبب ؟ وهل كان في إمكان محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يستقلّ وحده بالمعلمين والمدرسين والقصاصين وأهل السير ، دون أثرياء مكة ، ووجهاء قريش ؟ كلا واللّه ما هذا برأي ؛ وهل كانت هذه الأساطير ، التي يدّعون عليه أنه اكتتبها ، في متناول يده وحده دون سائر الناس ؟ وهل كانت تلك الأساطير مكتوبة أو محفوظة يرددها الناس كما كانوا يرددون التراث الشعبي مثلا ؟ وهل عدمت - يا ترى - تلك الأساطير المزعومة من يهتم بنقلها وانتحالها والتباهى بها في القوم ؟ ولما ذا لعمرو الحق ، لم تكن هذه الأساطير تلقى رواجا بين العرب وتروى كالشعر والخطب في سوق عكاظ ؟ ! ! ولما ذا لم يدوّنها العرب كما دونوا المعلقات ؟ لقد تناقض الكفار - الذين زوّروا تلك التهمة ضد محمد صلى اللّه عليه وسلم - ذلك لمحمد في قولهم ، وفي أوصافهم للقرآن ولمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ فهم تارة يصفونه بالكذاب ؛ وهو أمينهم وأصدقهم ؛ وتارة يتهمونه بالجنون وهو أكثرهم عقلا ، وبالسحر وهو أبعدهم عنه ، وبالشاعرية ، والكهانة ؛ وأحيانا أخرى يتعنتون معه يطلبون منه المستحيل ، ولا يقبلون منه الممكن ؛ وإنّ من عرف حالهم وخبر دعاواهم ، أيقن أنهم لم يكونوا يبحثون عن الحق المجرد ، ولا يطلبون الصواب ؛ وإنما قصدوا بفعلهم هذا إلى التعنت وعمدوا إلى التشهير ؛ هذا مع أن للعرب أوصافا أطلقوها على القرآن تعتبر دررا في ديوان